العيني

279

عمدة القاري

فَيُهْدِي في خَلاَئِلِهَا مِنْهَا ما يَسَعُهُنَّ . . مطابقته للترجمة ظاهرة . وسعيد بن عفير ، بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف : وهو سعيد بن كثير بن عفير أبو عثمان المصري ، وقد نسب إلى جده ، والحديث من أفراده . قوله : ( كتب إلي هشام ) يعني : هشام بن عروة ابن الزبير ، ووقع عند الإسماعيلي من وجه آخر عن الليث : حدثني هشام بن عروة ، قيل : لعل الليث لقي هشاماً بعد أن كتب إليه بهذا الحديث فحدثه به . وقيل : كان مذهب الليث أن الكتابة والتحديث سواء ، ونقل عنه الخطيب ذلك . قوله : ( ما غرت ) بكسر الغين المعجمة من الغيرة وهي الحمية والأنفة ، يقال : رجل غيور وامرأة غيور بلا : هاء ، لأن فعولاً يشترك فيه الذكر والأنثى ، وجاء في حديث : أن امرأة غيرى ، على وزن فعلى ، من الغيرة يقال : غرت على أهلي أغار غيرة فأنا غائر وغيور للمبالغة ، وفيه ثبوت الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء ، فضلاً عمن دونهن ، وكانت عائشة تغار من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن تغار من خديجة أكثر ، وذلك لكثرة ذكر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إياها . وأصل غيرة المرأ من تخيل محبة غيرها أكثر منها وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة ، وقال القرطبي : مرادها بالذكر لها مدحها والثناء عليها . قوله : ( هلكت قبل أن يتزوجني ) أي : ماتت خديجة قبل أن يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم ، بعائشة ، ويأتي عن قريب بيان المدة إن شاء الله تعالى . وأشارت عائشة بذلك إلى أن خديجة لو كانت حية في زمانها لكانت غيرتها منها أكثر وأشد . قوله : ( وأمره الله أن يبشرها ) ، أي : أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يبشر خديجة ( ببيت من قصب ) بفتحتين ، قال الجوهري : هو أنابيب من جوهر ، وقال النووي : المراد به قصب اللؤلؤ المجوف ، وقيل : قصب من ذهب منظوم بالجواهر ، ويقال : القصب هنا اللؤلؤ المجوف الواسع كالقصر المنيف ، وقد جاء في رواية عبد الله بن وهب : قال أبو هريرة قلت : يا رسول الله ! وما بيت من قصب ؟ قال : بيت من لؤلؤة مجوفة ، رواه السمرقندي في ( صحيح مسلم ) : مجوبة ، وروى الخطابي : مجوبة ، بضم الجيم ، أي : قطع داخلها فتفرغ ، وخلا من قولهم : جبت الشيء إذا قطعته ، وروى أبو القاسم بن مطير بإسناده عن فاطمة ، رضي الله تعالى عنها ، سيدة نساء العالمين أنها قالت : ( يا رسول الله أين أمي خديجة ؟ قال : في بيت من قصب ، لا لغو فيه ولا نصب ، بين مريم وآسية امرأة فرعون . قالت : يا رسول الله ! أمن هذا القصب ؟ قال : لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت . فإن قلت : قال : من قصب ، ولم يقل : من لؤلؤ ونحوه ؟ قلت : هذا من باب المشاكلة لأنها لما أحرزت قصب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرجال والنساء ذكر الجزاء بلفظ العمل ، والعرب تسمي السابق محرز القصب . فإن قلت : كيف بشرها ببيت وأدنى أهل الجنة منزلة من يعطي مسيرة ألف عام في الجنة ، كما في حديث ابن عمر عند الترمذي ؟ قلت : قيل : ببيت زائد على ما أعده الله لها من ثواب أعمالها . وقال الخطابي : البيت هنا عبارة عن قصر ، ألاَ يرى قد يقال لمنزل الرجل : بيته ، ويقال في القوم : هل هو أهل بيت شرف وعز ؟ وقال السهيلي ماملخصه : أنه من باب المشاكلة لأنها كانت ربة بيت في الإسلام ولم يكن على وجه الأرض بيت إسلام إلاَّ بيتها حين آمنت ، وجزاء الفعل يذكر بلفظ الفعل ، وإن كان أشرف منه ، كما قيل : من بنى لله مسجداً بنى الله له مثله في الجنة ، لم يرد مثله في كونه مسجداً ولا في صفته ، ولكنه قابل البنيان بالبنيان أي : كما بنى بني له . قوله : ( وإن كان ) ، كلمة : إن ، مخففة من المثقلة ويراد بها تأكيد الكلام ولهذا أتت باللام في قولها ( ليذبح ) . قوله : ( فيهدي ) في خلائلها ، بالخاء المعجمة جمع خليلة ، وهي الصديقة وهذا أيضاً من أسباب الغيرة لما فيه من الإشعار باستمرار حبه لها حتى كان يتعاهد صواحباتها . قوله : ( منها ) أي : من الشاة . قوله : ( ما يسعهن ) أي : ما يسع لهن ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي : ( ما يتسعهن ) ، أي : ما يتسع لهن ، وفي رواية النسفي : ما يشبعهن ) من الإشباع ، قيل : ليس في روايته كلمة ما . 7183 حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ حدَّثنا حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشةَ رضي الله تعالى عنهَا قالَتْ ما غِرْتُ عَلَى خَدِيجةَ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ